فصل: الحديث الأول:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحَدِيث الْخَامِس عشر:

عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم استسقى، فَأَشَارَ بِظهْر كفيه إِلَى السَّمَاء».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك، وَنقل الرَّافِعِيّ وَغَيره عَن الْعلمَاء أَن هَكَذَا السّنة لمن دَعَا لدفع الْبلَاء أَن يَجْعَل ظهر كفيه إِلَى السَّمَاء، فَإِذا سَأَلَ الله شَيْئا جعل بطن كفيه إِلَى السَّمَاء.
وَفِي مُسْند أَحْمد: نَا ابْن إِسْحَاق، نَا ابْن لَهِيعَة، عَن حبَان بن وَاسع، عَن خَلاد بن السَّائِب، عَن أَبِيه «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا سَأَلَ جعل بَاطِن كفيه إِلَيْهِ، وَإِذا استعاذ جعل ظاهرهما إِلَيْهِ». وَقد سلف فِي الصَّلَاة من حَدِيث ابْن عَبَّاس: «سلوا الله ببطون أكفكم، وَلَا تسألوه بظهورها» وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف كَمَا أسلفناه هُنَاكَ، فَلَا يُعَارض هَذَا.
وَقد فَسَّر الْمُفَسِّرُونَ الرهب فِي قَوْله تَعَالَى: {يدعوننا رغبًا ورهبًا} بِالثَّانِي؛ وَالْأول هُوَ: الرغب، قَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه: وَكَأَنَّهُ فِي حَال الرغب يسْأَل كالمستطعم، وَفِي حَال الرهب يستعيذ ويستجير، وَإِن أَتَى بِلَفْظ السُّؤَال فَهُوَ كالمستدفع عَن نَفسه.

.الحديث السَّادِس عشر:

ثَبت تَحْويل الرِّدَاء عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
هُوَ كَمَا قَالَ، وجدت ذَلِك فِي حَدِيث عبد الله بن زيد بن عَاصِم، وَقد سلف أول الْبَاب. وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فِيهِ: «حول رِدَاءَهُ، وقلب ظهرا لبطن، وحول النَّاس مَعَه» وَقد ورد ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث:
أَحدهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف قَرِيبا عَلَى مَا فِيهِ.
ثَانِيهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف فِي الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث الثَّانِي مِنْهُ.
ثَالِثهَا: حَدِيث جَابر «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم استسقى وحول رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّل القحطُ» رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.

.الحديث السَّابِع عشر:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَمَّ بالتنكيس، لَكِن كَانَ عَلَيْهِ خميصة فثقل عَلَيْهِ، قَلَبَهَا من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا بأسانيد صَحِيحَة من حَدِيث عبد الله بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «استسقى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَلِيهِ خميصة سَوْدَاء، فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ بأسفلها فَيَجْعَلهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثقلت عَلَيْهِ قَلبهَا عَلَى عَاتِقه». وَرَوَاهُ أَيْضا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه، وَأَبُو عوَانَة فِي مستخرجه عَلَى مُسلم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَقد اتفقَا عَلَى إِخْرَاج حَدِيث عباد بن تَمِيم. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام: رِجَاله رجال الصَّحِيح، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده، وَقَالَ فِي آخِره: «فَثقلَتْ عَلَيْهِ فَقَلَبَهَا، الْأَيْمن عَلَى الْأَيْسَر والأيسر عَلَى الْأَيْمن».
فَائِدَة:
الخميصة: كسَاء أسود لَهُ عَلَمَان فِي طرفه، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ كسَاء مربَّع لَهُ عَلَمَان. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كسَاء من صوف أوْ خَزٍّ مُعْلمة سُود، كَانَت من لِبَاس النَّاس. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: كسَاء رَقِيق أَحْمَر، أَو أَحْمَر وأسود.

.الحَدِيث الثَّامِن عشر:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يحب الفأل».
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا عَدْوّى، وَلَا طِيَرَة، ويعجبني الفأل الْكَلِمَة الْحَسَنَة والكلمة الطّيبَة». وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «قيل: وَمَا الفألُ؟ قَالَ: الْكَلِمَة الطّيبَة». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «لَا طيرة، وَخَيرهَا الفأل. قيل: يَا رَسُول الله، وَمَا الفألُ؟ قَالَ: الْكَلِمَة الصَّالِحَة يسْمعهَا أحدكُم». وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «لَا عَدْوّى، وَلَا هَامة، وَلَا طيرة، وَأحب الفأل الصَّالح». هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.

.وأمَّا آثاره:

ذكر فِيهِ «أَن عمر بن الْخطاب استسقى بِالْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من رِوَايَة أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن عمر بن الْخطاب كَانَ إِذا قحطوا استسقى بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمطلب، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نتوسَّل إِلَيْك بنبينا فتسقينا، وَإِنَّا نتوسل إِلَيْك بعم نَبينَا فاسقنا، فيسقون». وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة الْعَبَّاس، من حَدِيث دَاوُد بن عَطاء الْمدنِي- وَهُوَ مَتْرُوك- عَن زيد بن أسلم، عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: «استسقى عمر بن الْخطاب عَام الرَّمَادَة بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمطلب، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا عَم نبيك نتوجه إِلَيْك بِهِ؛ فاسقنا. فَمَا برحوا حَتَّى سقاهم الله- عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ: فَخَطب عمر النَّاس فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يرَى للْعَبَّاس مَا يرَى الْوَلَد لوالده، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أَيهَا النَّاس برَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عَمه الْعَبَّاس، واتخذوه وَسِيلَة إِلَى الله- عَزَّ وَجَلَّ- فِيمَا نزل بكم».
وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث ثُمَامَة عَن أنس قَالَ: «كَانُوا إِذا قحطوا عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم استسقوا برَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَاسْتَسْقَى لَهُم، فيُسقَون، فلمَّا كَانَ بعد وَفَاة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي إِمَارَة عمر قحطوا، فَخرج عمر بِالْعَبَّاسِ يَسْتَسْقِي بِهِ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذا قحطنا عَلَى عهد نبيك استسقينا بِهِ فسُقينا، وَإِنَّا نتوسل إِلَيْك الْيَوْم بعم نبيك فاسقنا. قَالَ: فسُقوا». وَفِي أمالي المُصَنّف- أَعنِي: الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ- «أَن عمر استسقى بِالْعَبَّاسِ عَام الرَّمَادَة؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن هَؤُلَاءِ عِبَادك وَبَنُو إمائك، أتوك راغبين متوسلين إِلَيْك بعم نبيك، اللَّهُمَّ إِنَّا نستسقيك بعم نبيك، ونستشفع إِلَيْك بشيبته. فسُقوا». وَفِي ذَلِك يَقُول بعض بني هَاشم فِي أبياتٍ لَهُ:
بِعَمِّي سَقَى الله الحجازَ وَأَهله عَشِيَّة يَسْتَسْقِي بشيبته عمر

فَائِدَة:
الرَّمَادَة- برَاء ودال مهملتين وبالميم-: الْهَلَاك. قَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ أَعْوَام جَدب تَتَابَعَت عَلَى النَّاس، سمي بذلك لهلاك النَّاس وَالْأَمْوَال فِيهِ، يُقَال: رَمَدَ- بِالْفَتْح- يَرمد- بِالْكَسْرِ وَالضَّم- رمْدًا- بِالسُّكُونِ- ورمادة: إِذا هلك.
ثمَّ ذكر الرَّافِعِيّ أَيْضا «أَن مُعَاوِيَة استسقى بِيَزِيد بن الْأسود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه».
وَهَذَا الْأَثر ذكره تبعا لصَاحب الْمُهَذّب، فَإِنَّهُ قَالَ: «إِن مُعَاوِيَة استسقى بِيَزِيد بن الْأسود فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نستسقي بخيرنا وأفضلنا، اللَّهُمَّ إِنَّا نستسقي بِيَزِيد بن الْأسود، يَا يزِيد، ارْفَعْ يَديك إِلَى الله- تَعَالَى- فَرفع يَدَيْهِ، وَرفع النَّاس أَيْديهم، فثارت سَحَابَة من الْمغرب، كَأَنَّهَا ترس، وهَبَّ لَهَا ريح، فَسُقُوا حَتَّى كَاد الناسُ أَن لَا يبلغُوا مَنَازِلهمْ». وبيَّض لَهُ الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب، وأسنده ابْن عَسَاكِر فِي تَخْرِيجه لأحاديثه من حَدِيث أبي زرْعَة، عَن الحكم بن نَافِع، عَن صَفْوَان بن عَمْرو، عَن سليم بن عَامر «أَن النَّاس قحطوا بِدِمَشْق، فَخرج مُعَاوِيَة يَسْتَسْقِي بِيَزِيد بن الْأسود» قَالَ أَبُو زرْعَة: وثنا أَبُو مسْهر، نَا سعيد بن عبد الْعَزِيز «أَن الضَّحَّاك بن قيس خرج يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ فَقَالَ ليزِيد بن الْأسود: قُم يَا بكَّاءُ». وَلم يعزه النوويُّ فِي شَرحه وَإِنَّمَا قَالَ: إِنَّه أثر مَشْهُور.
خَاتِمَة:
ذكر الرَّافِعِيّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَن الاسْتِسْقَاء أَنْوَاع، أدناها: الدُّعَاء المجرَّد من غير صَلَاة وَلَا خلف صَلَاة، إمَّا فُرَادَى أَو مُجْتَمعين لذَلِك. وأوسطها: الدُّعَاء خلف الصَّلَاة وَفِي خطْبَة الْجُمُعَة، وَنَحْو ذَلِك. وأفضلها: الاسْتِسْقَاء بِرَكْعَتَيْنِ وخطبتين، كَمَا سنصفه، وَالْأَخْبَار وَردت بِجَمِيعِ ذَلِك.
هَذَا آخر كَلَامه، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقد ورد مفرَّقًا فِي الْبَاب، فتدبره تَجدهُ كَذَلِك، وَحَاصِل مَا استسقى بِهِ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام عدَّة أَنْوَاع:
أَحدهَا: يَوْم الْجُمُعَة عَلَى المنبرِ فِي أثْنَاء خطبَته، كَمَا سلف من حَدِيث أنس.
ثَانِيهَا: خرج إِلَى الْمُصَلى وَصَلى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا سلف من حَدِيث عبد الله بن زيد وَغَيره.
ثَالِثهَا: استسقى عَلَى الْمِنْبَر بِالدُّعَاءِ الْمُجَرّد، كَمَا سلف من حَدِيث ابْن عَبَّاس.
رَابِعهَا: استسقى وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد، كَمَا سلف من حَدِيث كَعْب بن مرّة.
خَامِسهَا: فِي بعض أَسْفَاره، كَمَا سلف من رِوَايَة سعد، وَالِد عَائِشَة وَغير ذَلِك كَمَا سلف فِي الْبَاب، فتدبره.

.كتاب الْجَنَائِز:

كتاب الْجَنَائِز:
ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا.

.أمَّا الْأَحَادِيث:

فمائة حَدِيث ونَيف.

.الحديث الأول:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات، الْمَوْت».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة فِي سُنَنهمْ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو اللَّيْثِيّ، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بأسانيد صَحِيحَة عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان: «فَمَا ذكره عبد قطّ وَهُوَ فِي ضيق إِلَّا وَسعه عَلَيْهِ، وَلَا ذكره فِي سَعَة إِلَّا ضيَّقه عَلَيْهِ». وَفِي لفظ: «كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يكثر أَن يَقُول: أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات». قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. ذكره فِي الزّهْد من جامعه، وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَاخِر مُسْتَدْركه فِي أثْنَاء كتاب الرقَاق: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَقَالَ الْحَافِظ ابْن طَاهِر فِي تَخْرِيجه أَحَادِيث الشهَاب: هَذَا حَدِيث غَرِيب صَحِيح؛ لِأَن مُسلما أخرج لمُحَمد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة حَدِيثا. وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي مَوضِع، وَالَّذين رووا عَنهُ هَذَا الحَدِيث ثِقَات، قَالَ: فَيكون عَلَى شَرط مُسلم، إِلَّا أَن يكون لَهُ عِلّة خفيت. قلت: ولعلها مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله أَنه رُوِيَ عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَعَن أبي سَلمَة مَرْفُوعا مُرْسلا، وَأَنه الصَّحِيح. وَأبْعد ابْن الْجَوْزِيّ فَذكر هَذَا الحَدِيث فِي علله ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يثبت؛ فَإِن مَدَاره عَلَى مُحَمَّد بن عَمْرو اللَّيْثِيّ، قَالَ يَحْيَى بن معِين: مَا زَالَ النَّاس يَتَّقُونَ حَدِيثه. هَذَا كَلَامه وَلَا يُتابع عَلَيْهِ، بل هُوَ حَدِيث حسن كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ، وصحيح كَمَا قَالَه ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَابْن طَاهِر وهم أعلم مِنْهُ وَأجل، وَمُحَمّد بن عَمْرو هَذَا من فرسَان الصَّحِيحَيْنِ، وَقد وَثَّقَهُ يَحْيَى مرّة أُخْرَى كَمَا نَقله عَنهُ فِي ضُعَفَائِهِ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وليَّنهَ، ذكره من حَدِيث أنس: «أَكْثرُوا ذكر هاذم اللَّذَّات- يَعْنِي: الْمَوْت». وَأعله بِأَنَّهُ حَدثهُ بذلك، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: هُوَ حَدِيث بَاطِل، لَا أصل لَهُ. عَلَى أَن ابْن السكن أخرجه فِي صحاحه، وَهَذَا لَفظه عَن أنس قَالَ: «مر رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَجْلِس من الْأَنْصَار وهم يَضْحَكُونَ، فَقَالَ: أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات». وذكره من حَدِيث خَالِد بن جميل عَن يَحْيَى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب، عَن عمر. ذكره ابْن طَاهِر فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشهَاب وَقَالَ: من قبل خَالِد فِيهِ، وَفِيهِمْ جَهَالَة، وَسَعِيد بن الْمسيب لم يلق عمر، وَلَا تصح رِوَايَته عَنهُ. وَذكره الْبَغَوِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه، مُرْسلا عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
فَائِدَة: هاذم اللَّذَّات: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة لَيْسَ إِلَّا، والهذم: الْقطع، قَالَ الْجَوْهَرِي: الهاذم- بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة-: الْقَاطِع كَمَا قَالَه الفاكهي فِي شَرحه، وَكَذَا ذكره السُّهيْلي فِي «رَوْضِهِ» فِي غَزْوَة أحد عِنْد قتل وَحشِي لِحَمْزَة أَن الرِّوَايَة فِيهِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَأما بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاه: المزيل للشَّيْء من أَصله، وَلَيْسَ مرَادا هُنَا.

.الحديث الثَّانِي:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا نَام أحدكُم فليتوسد يَمِينه».
هَذَا الحَدِيث أسْندهُ ابْن عَسَاكِر فِي تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان، عَن عبيد بن عمر، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا أَوَى أحدكُم إِلَى فرَاشه فلينزع دَاخِلَة إزَاره فلينفض فرَاشه، ثمَّ ليتوسد يَمِينه...» وَذكر الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ، أخرجه الْجَمَاعَة.
قلت: الْجَمَاعَة أَخْرجُوهُ بِدُونِ مَوضِع الْحَاجة مِنْهُ، وَهِي «ثمَّ ليتوسد يَمِينه». وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي كَامِله فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْبَاهِلِيّ، من حَدِيث الْبَراء رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: «إِذا أَخذ أحدكُم مضجعه فليتوسد يَمِينه، وَليقل: بِسم الله، اللَّهُمَّ إِنِّي أسلمت نَفسِي إِلَيْك...» الحَدِيث. قَالَ ابْن عدي: وَمُحَمّد هَذَا لَا يُتَابع فِي حَدِيثه، وَهُوَ عِنْدِي لَا بَأْس بِهِ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الدَّعْوَات من حَدِيث فطر بن خَليفَة، عَن سعد بن عُبَيْدَة قَالَ: سَمِعت الْبَراء يَقُول: قَالَ لي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إِذا أويت إِلَى فراشك طَاهِرا فتوسد يَمِينك، ثمَّ قل: اللَّهُمَّ إِنِّي أسلمت نَفسِي إِلَيْك...» الحَدِيث. وَحَدِيث الْبَراء ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظ: قَالَ لي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إِذا أتيت مضجعك فَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة، ثمَّ اضْطجع عَلَى شقك الْأَيْمن، وَقل: اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إِلَيْك» إِلَى آخِره. وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن الْبَراء: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه نَام عَلَى شقَّه الْأَيْمن، ثمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إِلَيْك» الحَدِيث. وَفِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة للنسائي وجَامع التِّرْمِذِيّ عَن الْبَراء أَيْضا قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يتوسد يَمِينه عِنْد الْمَنَام، ثمَّ يَقُول: رب قني عذابك يَوْم تبْعَث عِبَادك». قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. وَفِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة للنسائي أَيْضا وشمائل التِّرْمِذِيّ ومُسْند الإِمَام أَحْمد عَن عبد الله بن يزِيد الْأنْصَارِيّ «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا نَام وضع يَده الْيُمْنَى تَحت خَدّه...» الحَدِيث. وَفِي الْأَوَّلين وابْن مَاجَه من حَدِيث أبي عُبَيْدَة عَن ابْن مَسْعُود «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا أَخذ مضجعه وضع يَمِينه تَحت خدِّه». وَفِيه انْقِطَاع؛ لِأَن أَبَا عُبَيْدَة لم يدْرك أَبَاهُ. وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث حَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يرقد وضع يَده الْيُمْنَى تَحت خدِّه...» الحَدِيث. وَفِي مُسْند أَحْمد: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يرقد وضع يَده الْيُمْنَى تَحت خَدّه...» الحَدِيث وفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة مثله، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَفِي دَلَائِل النُّبُوَّة للبيهقي من حَدِيث أبي قَتَادَة «كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا عرس وَعَلِيهِ ليل توسد يَمِينه، وَإِذا عرس قرب الصُّبْح وضع رَأسه عَلَى كَفه الْيُمْنَى وَأقَام ساعده».

.الحديث الثَّالِث:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لقنوا مَوْتَاكُم قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَرَوَاهُ بِدُونِ لَفْظَة «قَول» مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد، وهما من أَفْرَاده، وَغلط ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد فَجعل الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَغلط الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي شَرحه للتّنْبِيه فَادَّعَى أَنه من الْمُتَّفق عَلَيْهِ، فاجتنب كل ذَلِك. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ مُسلم وَزِيَادَة: «فَإِنَّهُ من كَانَ آخر كَلَامه: لَا إِلَه إِلَّا الله. عِنْد الْمَوْت دخل الْجنَّة يَوْمًا من الدَّهْر، وَإِن أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ». وَله طرق أخر:
أَحدهَا: من حَدِيث عَائِشَة، رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ الرَّافِعِيّ، وَفِي لفظ: «هلْكاكم» بدل «مَوْتَاكُم».
ثَانِيهَا: من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر، رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه بِلَفْظ: «لقنوا مَوْتَاكُم: لَا إِلَه إِلَّا الله، الْحَلِيم الْكَرِيم، سُبْحَانَ الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، الْحَمد لله رب الْعَالمين. قَالُوا: يَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم 498: كَيفَ الْأَحْيَاء؟ قَالَ: أَجود وأجود».
ثَالِثهَا، وَرَابِعهَا، وخامسها: من حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس، وَابْن مَسْعُود، وَعَطَاء بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن جده، رواهن الطَّبَرَانِيّ، وَسَيَأْتِي الثَّالِث قَرِيبا.
سادسها: من حَدِيث ابْن عمر، رَوَاهُ المستغفري فِي «دعواته» بِلَفْظ: «لقنوا مَوْتَاكُم أَن يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا الله. فَإِنَّهُ لَيْسَ مُؤمن يَقُولهَا عِنْد الْمَوْت إِلَّا لقن». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «من لقن: لَا إِلَه إِلَّا الله. عِنْد الْمَوْت دخل الْجنَّة».
وَرُوِيَ فِي هَذَا الْكتاب حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف بِلَفْظ: «لقنوا مَوْتَاكُم: لَا إِلَه إِلَّا الله. فَإِنَّهَا خَفِيفَة عَلَى اللِّسَان، ثَقيلَة فِي الْمِيزَان، وَلَو جعلت كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله فِي كفة، وَجعلت السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ فِي كفة لرجحت بِهن لَا إِلَه إِلَّا الله» وَفِي لفظ لَهُ: «لقنوا مَوْتَاكُم: لَا إِلَه إِلَّا الله. وَلَا تملوهم».
سابعها: من حَدِيث عُرْوَة بن مَسْعُود، رَوَاهُ الْعقيلِيّ وَقَالَ: فِي الْبَاب أَحَادِيث صِحَاح عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.

.الحديث الرَّابِع:

أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من كَانَ آخر كَلَامه: لَا إِلَه إِلَّا الله. دخل الْجنَّة».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد كَذَلِك لَكِن بِلَفْظ: «وَجَبت لَهُ الْجنَّة». وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم بِلَفْظ المُصَنّف، وَأعله ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ: فِيهِ صَالح بن أبي عريب، وَلَا يعرف حَاله، وَلَا رَوَى عَنهُ غير عبد الحميد، وَقد غلط فِي كل مِنْهُمَا، أما الأول: فقد ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته فقد عرفت حَاله، وَأما الثَّانِي: فقد رَوَى عَنهُ حَيْوَة بن شُرَيْح، وَاللَّيْث بن سعد، وَابْن لَهِيعَة، وَغَيرهم. كَمَا ذكره ابْن يُونُس والمزي، لَا جرم لما أخرجه الْحَاكِم من طَرِيقه قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. قلت: وَقد جرت فِيهِ حِكَايَة غَرِيبَة، وَقد أَنبأَنَا بهَا الْمسند أَحْمد بن كشتغدي، أَنبأَنَا أَبُو الْفرج عبد اللَّطِيف الْحَرَّانِي، أبنا ابْن الْجَوْزِيّ، أبنا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز، أبنا أَبُو بكر الْخَطِيب، أبنا أَبُو عَلّي عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن فضَالة، أَنا أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان، قَالَ: سَمِعت أَبَا جَعْفَر التسترِي يَقُول: حَضَرنَا أَبَا زرْعَة وَهُوَ فِي السِّيَاق وَعِنْده أَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن مُسلم وَالْمُنْذر بن شَاذان وَجَمَاعَة من الْعلمَاء، فَذكرُوا حَدِيث التَّلْقِين وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: «لقنوا مَوْتَاكُم: لَا إِلَه إِلَّا الله». فاستحيوا من أبي زرْعَة وهابوا أَن يلقنوه؛ فَقَالُوا: تَعَالَوْا نذْكر الحَدِيث. فَقَالَ مُحَمَّد بن مُسلم: نَا الضَّحَّاك بن مخلد، عَن عبد الحميد بن جَعْفَر، عَن صَالح. وَلم يُجَاوز، وَقَالَ الْمُنْذر: نَا بنْدَار، نَا أَبُو عَاصِم، عَن عبد الحميد، عَن صَالح، وَلم يُجَاوز، وَالْبَاقُونَ سكتوا؛ فَقَالَ أَبُو زرْعَة وَهُوَ فِي السَّوق: نَا بنْدَار، نَا أَبُو عَاصِم، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر، عَن صَالح بن أبي عريب، عَن كثير بن مرّة، عَن معَاذ بن جبل قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «من كَانَ آخر كَلَامه: لَا إِلَه إِلَّا الله. دخل الْجنَّة» وَتُوفِّي. ونَا ابْن كشتغدي أَيْضا قَالَ: أَنا الشَّيْخ محيي الدَّين يَحْيَى بن شرف النَّوَوِيّ كِتَابَة من دمشق، أَنا الْحَافِظ أَبُو الْبَقَاء، أَنبأَنَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد، نَا أَبُو طَاهِر السلَفِي، أَنا أَبُو عَلّي البرداني، قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن هناد النَّسَفِيّ يَقُول: سَمِعت أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْقطَّان يَقُول: سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُسلم بن وارة الرَّازِيّ يَقُول: حضرت مَعَ أبي حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ عِنْد أبي زرْعَة الرَّازِيّ وَهُوَ فِي النَّزع، فَقلت لأبي حَاتِم: تعال حَتَّى نلقنه الشَّهَادَة. فَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِنِّي لأستحيي من أبي زرْعَة أَن ألقنه الشَّهَادَة، وَلَكِن تعال حَتَّى نتذاكر الحَدِيث فَلَعَلَّهُ إِذا سَمعه يَقُول. فَبَدَأت فَقلت: ثَنَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر فارتج عليَّ الحَدِيث حَتَّى كَأَنِّي مَا سمعته وَلَا قرأته، فَبَدَأَ أَبُو حَاتِم فَقَالَ: نَا مُحَمَّد بن بشار، نَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل، عَن عبد الحميد بن جَعْفَر، فارتج عَلَيْهِ كَأَنَّهُ مَا قَرَأَهُ، فَبَدَأَ أَبُو زرْعَة فَقَالَ: نَا مُحَمَّد بن بشار، نَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر، عَن صَالح بن أبي عريب، عَن كثير بن مرّة، عَن معَاذ بن جبل قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «من كَانَ آخر كَلَامه: لَا إِلَه إِلَّا الله» وَخرجت روحه مَعَ الْهَاء قبل أَن يَقُول: «دخل الْجنَّة». وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. وأنبأنا الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه: أَنا الْخلال، أَنا الْهَمدَانِي، أَنا السلَفِي، أَنا ابْن مَالك، أَنا أَبُو يعْلى الْحَافِظ، سَمِعت مُحَمَّد بن عَلّي الفرضي يَقُول: سَمِعت الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن مَيْمُون، سَمِعت عمر بن إِسْحَاق الْحَافِظ، سَمِعت ابْن وارة يَقُول: حضرت أَنا وَأَبُو حَاتِم عِنْد وَفَاة أبي زرْعَة... إِلَى آخِره بأخصر من الأول.
تَنْبِيه: غلط ابْن معن فِي تنقيبه عَلَى الْمُهَذّب، فعزا حَدِيث معَاذ هَذَا إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم، وَهَذَا عَجِيب؛ فَذَاك حَدِيث آخر لَفظه فِي مُسلم: «مَا من عبد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا حرّمه الله عَلَى النَّار». وَلَفظه فِي البُخَارِيّ: «مَا من أحدٍ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صِدْقًا من قلبه إِلَّا حرمه الله عَلَى النَّار». وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان رَفعه: «من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة». وَفِي أَفْرَاده نَحوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعبادَة، وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحوه، وَقد سلف فِي الحَدِيث قبله برمتِهِ وَفِي مُسْند أَحْمد ومُسْتَدْرك الْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ من رِوَايَة يَحْيَى بن طَلْحَة بن عبيد الله، عَن أَبِيه «أَن عمر رَأَى طَلْحَة كئيبًا، فَقَالَ لَهُ: مَا لَك، لَعَلَّك ساءتك إِمَارَة ابْن عمك؟ قَالَ: لَا. وَأَثْنَى عَلَى أبي بكر، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: كلمة لَا يَقُولهَا عبد عِنْد مَوته إِلَّا فرج الله عَنهُ كربته وأشرق لَونه. فَمَا مَنَعَنِي أَن أسأله عَنْهَا إِلَّا الْقُدْرَة عَلَيْهَا، حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ عمر: إِنِّي لأعرفها. قَالَ طَلْحَة: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ لَهُ عمر: هَل تعلم كلمة هِيَ أعظم من كلمة أَمر بهَا عَمه لَا إِلَه إِلَّا الله؟ فَقَالَ طَلْحَة: هِيَ وَالله هِيَ». قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب، عَن أَبِيه، عَن جده- وَهُوَ مَالك الثَّقَفِيّ- قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «من لُقِّن عِنْد الْمَوْت شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة». ذكره فِي تَرْجَمَة مَالك وَقَالَ: هُوَ أَبُو السَّائِب الثَّقَفِيّ جد عَطاء. وَفِي تَلْخِيص الْمُتَشَابه لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب عَن حُذَيْفَة: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَرضه الَّذِي قبض فِيهِ: «من ختم لَهُ بِلَا إِلَه إِلَّا الله محتسبًا عَلَى الله- عَزَّ وَجَلَّ- دخل الْجنَّة». وَفِيه أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود رَفعه: «من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة». وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ عَن جَابر رَفعه: «من ختم لَهُ عِنْد مَوته بِلَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة». قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رِوَايَته عَن جَابر عَن معَاذ مَرْفُوعا هُوَ الصَّوَاب، وفيهَا أَيْضا: عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «و من قَالَ عِنْد الْمَوْت: لَا إِلَه إِلَّا الله. وَجَبت لَهُ الْجنَّة». ثمَّ قَالَ: إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب.

.الحديث الخَامِس:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُم».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد فِي مُسْنده ولَفظه: «يس قلب الْقُرْآن، لَا يقْرؤهَا رجل يُرِيد الله وَالدَّار الْآخِرَة إِلَّا غفر لَهُ، واقرءوها عَلَى مَوْتَاكُم»، وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا وَالنَّسَائِيّ فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، عَن أبي عُثْمَان- وَلَيْسَ بالنهدي- عَن أَبِيه، عَن معقل بن يسَار مَرْفُوعا، إِلَّا النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَن أبي عُثْمَان، عَن معقل، فأسقطا أَبَاهُ، وأعل هَذَا الحَدِيث بِالْوَقْفِ وبالجهالة وبالاضطراب، قَالَ الْحَاكِم: هَذَا الحَدِيث أوقفهُ يَحْيَى بن سعيد وَغَيره عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَالْقَوْل فِيهِ قَول ابْن الْمُبَارك؛ إِذْ الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة. ذكر ذَلِك فِي بَاب فَضَائِل الْقُرْآن من مُسْتَدْركه فِي ذكر فَضَائِل سور مُتَفَرِّقَة، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله: إِنَّه حَدِيث لَا يَصح؛ لِأَن أَبَا عُثْمَان هَذَا لَا نعرفه وَلَا من رَوَى عَنهُ غير سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَإِذا لم يكن هُوَ مَعْرُوفا فأبوه أبعد من أَن يعرف. وَكَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ: أَبُو عُثْمَان وَأَبوهُ ليسَا بمشهورين. وَخَالف فِي كَلَامه عَلَى تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث حسن رَوَاهُ د س ق وَمِنْهُم من قَالَ: عَن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه. وَمِنْهُم من قَالَ: عَن أبي عُثْمَان عَن معقل، من غير ذكر أَبِيه. قلت: وَمِنْهُم من قَالَ: عَن رجل عَن معقل، وَعَن رجل عَن أَبِيه عَن معقل ذكرهمَا النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة، وَالثَّانِي: الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة وشرح الْمُهَذّب: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَفِيه مَجْهُولَانِ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد. قلت: أَبُو عُثْمَان ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته، وَعَن ابْن الْعَرَبِيّ عَن الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّه حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد مَجْهُول الْمَتْن، وَلَا يَصح فِي الْبَاب حَدِيث.
فَوَائِد:
الأولَى: لهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر، ذكر الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة سمحج الجني، وَيُقَال: سمهج بِالْهَاءِ، من حَدِيث عبد الله بن الْحُسَيْن المصِّيصِي قَالَ: «دخلت طرسوس فَقيل: هَا هُنَا امْرَأَة قد رَأَتْ الْجِنّ الَّذِي وفدوا إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. فأتيتها، فأخبرتني بذلك، وَأَن سمحج سَمَّاهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: عبد الله، وَأَنه سَمعه يَقُول: مَا من مَرِيض تقْرَأ عِنْده يس إِلَّا مَاتَ رَيَّان وَحشر يَوْم الْقِيَامَة رَيَّان». قَالَ الْحَافِظ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي آخر النَّوَادِر.
الثَّانِيَة: قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه: قَوْله: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُم يس» أَرَادَ بِهِ من حَضرته الْمنية؛ لِأَن الْمَيِّت يقْرَأ عَلَيْهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ: «لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله» وَهَذَا الَّذِي قَالَه فِي الأول قَالَه جماعات وَهُوَ مُتَعَيّن، وَيكون ذَلِك من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يصير إِلَيْهِ. وَأما مَا قَالَه فِي الثَّانِي: فَلَا نسلم لَهُ، وَقد اعْتَرَضَهُ فِي ذَلِك الْمُحب الطَّبَرِيّ فَقَالَ فِي أَحْكَامه: مَا قَالَه فِي التَّلْقِين فَمُسلم. وَأما فِي قِرَاءَة يس فَذَلِك نَافِع للمحتضر وللميت.
الثَّالِثَة: معقل رَاوِي الحَدِيث- هُوَ بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه وَكسر ثالثه- ابْن يسَار- بِفَتْح أَوله- وَمَعْقِل فِي الصَّحَابَة جمَاعَة: هَذَا، وَابْن سِنَان الْأَشْجَعِيّ، وَابْن خَالِد- وَيُقَال: خويلد- وَغَيرهم.